الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
416
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
« فعيشك قصير » فقالوا : الدّنيا أشبه شيء بظلّ الغمام وحلم النّيام . وفي السير : أنّ عبد الملك لمّا قتل مصعبا وملك العراق ودخل الكوفة ، صنع عمرو بن حريث له طعاما كثيرا وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عامّا ، فدخل الناس وأخذوا مجالسهم ، وأجلس عبد الملك ، عمرو بن حريث معه على سريره ، ثم جاءت الموائد فأكلوا ، فقال عبد الملك : ما ألّذ عيشنا لو دام ، ولكنّا كما قال الأول : وكلّ جديد يا أميم إلى بلى * وكلّ أمريء يوما يصير إلى كان فلمّا فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر ، وعمرو بن حريث معه ، وهو يسأله لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت ، وعمرو يخبره ، فقال عبد الملك : اعمل على مهل فانّك ميّت * واكدح لنفسك أيّها الإنسان فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأنّ ما هو كائن قد كان « وخطرك » أي : قدرك ومنزلتك « يسير » ، في الخبر لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه تعالى جناح بعوضة ما سقي كافرا منها شربة ماء ( 1 ) . « وأملك حقير » قالوا : المرء في دنياه بين أماني ممدودة وعواري مردودة . وقال تعالى : زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللّهُ عنِدْهَُ حُسْنُ الْمَآبِ . قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ ، وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في سننه 4 : 560 ح 2320 .